المشاركات

من القطط والبشر.

لم أجد القطة البنية الصغيرة اليوم. جاء أخوها "لوك" يعدو نحوي بعد دقائق قليلة من أول "بِس بِس بِس" نبست بها. أما هي، فلا أثر. فكرت: "لابد أنها في العمارة كعادتها، بجانب شقة جارتي" فقد كان هذا هو المعتاد لشهور منذ يناير الماضي، حين وجدتها وأخاها وأختها في صندوق من الكرتون بجوار القمامة، فوضعت حينها الصندوق داخل العمارة المجاورة، بجانب شقة الجارة وبالاتفاق معها. أطعمناهم واعتنينا بهم كل يوم، وفي أحد الأيام لم نجد أختهما، القطة الكاليكو الملونة. بحثنا فوق وتحت، في الدور العلوي والسفلي، ما من أثر لها. ثم تقبلنا الوضع، لقد ماتت. قطة صغيرة بهذا الحجم وحدها بالشارع، لا توجد احتمالات كثيرة. منذ ذلك الحين، وهما أخ وأخت. أطعمهما كل يوم، أضع الماء، وأذهب بهما للطبيب عند الحاجة. شاهدتهما يكبران، وتتحول عيونهما من الأزرق فتتلون بصبغة خضراء فاتحة في عيني لوك، وخضراء مزرقة في عينيّ ليكسي. صرت أحب مؤخرًا أن أتذكر ليلة الشتاء تلك، حين ذهبت بهما إلى عيادة الطبيب في حدائق الأهرام عندما كانا مصابين بالكلاميديا. والكلاميديا في القطط الصغيرة -إذا لم تكن تعلم- قد تعني الموت. كانت...

مُولي.

  اليوم صنعت قهوة بحليب منزوع الدسم (أو هذا ما يزعمونه على العلبة). إنها التاسعة صباحًا. مرت ثلاث ساعات منذ الغارة الأخيرة. توقفت الصافرات منذ زمن، وأستطيع الجزم بأن الجميع في طريقهم إلى المصانع الآن. أستطيع أن أراهم، يتفقدون الجميع عند بوابات المصانع الحديدية باحثين عن البقع الزرقاء. ربما تغافلت عن بقعة هنا أو هناك، أسفل حاجبك، بجانب ترقوتك. أينما كانت هذه البقعة فسيجدونها، وقبل أن تقول أ ي شيء ستكون قد تمزقت إلى جزيئات صغيرة. هؤلاء القوم لا يضيعون وقتًا. نعم نعم، هذا واقع ديستوب ي آخر كما تبادر إلى ذهنك. الأخ الأكبر يعيث فسادًا في مكان ما، والأستاذ سميث يقع في الحب معه كل يوم في أقبية أحد السجون. أما أنا، فقد أخذت إجازة غير مدفوعة الأجر من المصنع الذي أعمل به لبعض الوقت. أجزم بأن رقائق البطاطس المحمرة تستطيع أن تصمد من دون تعبئة لبضعة أيام. أمسكت بكوب القهوة بين كفيّ ألتمس بعض الدفء، وقمت أمشي لأسدل الستائر على نافذة غرفة المعيشة. نظرت إلى الخارج، لأرى الشمس من تحت القبة الزجاجية التي تغطي كل شيء. بالكاد أستطيع تذكر ذلك الوقت الذي سبق وجود هذه القبة. يبدو لي أحيانًا أنها ...

اليوم 237 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

  لا أدري من أين عليّ أن أبدأ.  في التاسع والعشرين من يناير، قررت الذهاب إلى طبيب عظام في وسط البلد بسبب أوجاع شديدة وأصوات احتكاك في مفاصلي ظهرت منذ شهر ونصف تقريبًا، وأظنها تزداد سوءًا، وأظنها جزءًا من تطور ذلك المرض الذي لا اسم له. كان الطبيب شيخًا في أوائل السبعينات، أو أواخر الستينات على أقل تقدير، وعلى مكتبه رأيت نماذج مجسمة لعظام بشرية، مما ترك لديّ انطباعًا أول جيدًا إلى حد ما عن الرجل. أجد أن الأشخاص الذين يهتمون بالهوية البصرية للأماكن التي يشغلونها غالبًا ما يكونون بارعين فيما يفعلون. دخل الممرض معي إلى غرفة الكشف، وسألني الطبيب بشكل عرضي أين أسكن، وحين عرف أنني أسكن في الهرم، بدأ يتحدث عن إنشاء خط المترو الجديد، وكيف أن كل ذلك ما هو إلا ترهات من الحكومة، وما هو إلا وسيلة جديدة لإزعاج وتنكيد المواطن، أومأت برأسي في ملل موافقة على كل كلامه على أية حال. بدأ أخيرًا يسألني عن الشكوى، ثم بدأ يسألني عن دورتي الشهرية وإذا ما كانت منتظمة، فأخبرته أنها غير منتظمة أبدًا، ثم همّ بالسؤال عن شيء ما، لكنه توقف، نظر إلى الممرض أولًا وأخبره أن ينصرف ويغلق الباب، قبل أن يسألني: "بتش...

اليوم 176 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

صورة
  فشل القلب الانبساطي من الدرجة الثالثة. كررها من فضلك، لكن ببطء.  فشل.. القلب.. الانبساطي.. من.. الدرجة.. الثالثة. لا أستطيع سماعك جيدًا بسبب صوت ضربات قلبي الذي تهتز له طبلتا أذنيّ. هل أنت متأكد؟ متأكد تمامًا؟ نعم، تبدو لي نتائج الجهاز دقيقة فعلًا. حسنًا، هذا يتركنا إذن مع حقيقة أن لديّ فشل القلب الانبساطي.. آه، من الدرجة الثالثة.. صحيح. وكم درجة هنالك؟ أربعة؟ همم، تريد أن تقول إذن إنني على شفا الدرجة الرابعة التي لا رجعة منها؟ نعم، أفهم ما تعنيه، لا لا، لا تتأسف من فضلك، ولا تشفق عليّ. فقط عِدني أن ينتهي كل ذلك سريعًا.

اليوم 167 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

صورة
لطالما مثّل لي الموت -كما ينبغي له- أزمة وجودية. أرى أن الموت يجب أن يمثّل لكل من يملك عقلًا بشريًا أزمة من نوع ما. أذكر حين كنت في السابعة، أجلس في السرير الساعة الثانية بعد منتصف الليل، أحدّق في جسد شقيقتي النائم بجواري، ويخبرني الصوت في رأسي: "لقد ماتت! إنها ميتة!"، فأبدأ في الهلع، وأتخيل أن جسدها ساكن، وأن صدرها لا يتحرك مع كل شهيق وزفير، ثم أبدأ في هزّها لتستيقظ. أردد: "إيمان، إيمان، اصحي".  ولأن شقيقتي عنيدة -وأيضًا عميقة النوم- فقد كانت تأبى الاستجابة لكل نداءاتي وتوسلاتي لها بأن تستيقظ، فأبدأ حينها في البكاء، وتصديق أنها قد ماتت لا محالة، وأبدأ في التفكير في معضلة إخبار أمي وأبي بخبر وفاتها في الصباح. أعرف أن كثيرًا من الأطفال مروا بذات الموقف، الأطفال ميلودراميون كما تعرف. ولكن، في الحقيقة، لم يتغير شيء للآن وأنا في الرابعة والعشرين. لا زال ذلك الهاجس يؤرقني، أعني، أرى أن كل كائن حي واعٍ بوجوده يجب أن يُقَضّ مضجعه كل ليلة بهذا الموضوع، إلا إذا كنت تُجيد تشتيت نفسك عن تلك الحقيقة، ربما بالتصديق في وجود أحد الآلهة، أو بممارسة اليوجا، أو بشرب الكحول بكميات غير...

اليوم 162 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

اليوم أكره كل شيء وكل شخص. عليّ الاستيقاظ باكرًا للحاق بالعمل، قلبي يقفز داخل صدري ب شكل زائد عن المعتاد اليوم. أكره هاتفي البطيء جدًا، أكره وجهي في المرآة، وتلك الانتفاخات تحت عيني، أكره ارتداء كمامتين فوق بعضهما البعض، أكره نظارتي التي تنزلق من فوق أنفي كل نصف دقيقة لتقع على الأرض، أكره حقيقة أن أمي لم تزل لها يدًا في قراراتي، أكره ذلك المرض وذلك الجسد الواهن، أكره تلك الآلام في ذراعي الأيسر ورقبتي، أكره قلبي بكل ما أوتيت من قوة، أمقت هذا البلد، هؤلاء الناس. أكره حتى قصة شعري، شعري الطويل كان بمثابة ميزتي المرئية الوحيدة، والآن وقد تخلصت منه، أشعر أنني فتى في التاسعة من عمره، وفقداني المستمر للوزن لا يحسن من هذا الوضع أيضًا.  أود أن أضع وجهي بين راحتيّ، فتتدحرج عيناي خارج محجريهما، فأدلكهما قليلا، ثم ألقي بهما في القمامة.  أكره عينيّ. كنت أقول إنني أكره هذا البلد منذ قليل، وأظن أن آلهة العالم السفلي التي تتحكم في هذه البقعة الجغرافية قد سمعتني، فلوّح أنوبيس بصولجانه غاضبًا، ليغلق الطريق المتجه إلى أكتوبر من الهرم (الطريق الصحراوي) بزحام من ذلك الذي يتحول فيه الشارع إلى جراج ...

اليوم 159 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

صورة
  لا أدري لِمَ على المرء دومًا إيجاد جانب ايجابي في كل شيء. أمقت تلك الطريقة في النظر للأشياء، على منهاج: لقد كسرت ذراعي، لكن على الأقل حظيت بتجربة جديدة لم أجربها من قبل. لقد خسرت عملي، لكن على الأقل زوجتي تحبني. أحتاج لإجراء عملية في القلب، لكن على الأقل الشمس جميلة اليوم. لِمَ لابد دومًا أن تكون هناك "لكن"؟ لِمَ لا نأخذ الأمور كما هي؟ لِمَ لابد من نثر الجليتر على الأشياء غير السارة؟ حتى لا نجن؟ هل نحن هشون إلى هذه الدرجة؟ أو في الحقيقة، ربما لا نقول ذلك من أجلنا نحن، بل من أجل من نعيش معهم في مجتمعاتنا الصغيرة. الناس ينتظرون دومًا الجزء المضحك من النكتة، الپانش-لاين في نهاية أي حديث قصير أو طويل يتبادلونه فيما بينهم، شيء يضع ابتسامة على وجوههم في بداية اليوم بعد تناول القهوة مثلًا، أو ذلك الذي سيجعلهم يشعرون أن كل شيء في عالمهم على ما يرام.  أنا لا أريد نثر قصاصات الورق الملون على ظروف حياتي الحالية. الوضع مزر، هذه حقيقة، ولن أضيع الاكسجين في محاولات لتجميل ما يحدث، أو البحث عن الجانب الإيجابي في كل ذلك، حتى لا يشعر الناس بالاحباط من التواجد حولي. "أنا مريضة جدا"...

اليوم 144 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

  «هل تذكر الليلة التي تقابلنا فيها؟ تلك هي الليلة التي أدركت فيها أنك حيواني الأليف». توم ويتس يغني الآن، وأنا أكتب هذه الكلمات. أمس، أخبرني مديري في عملي الجديد أنهم قد اتخذوا قرارًا بفصلي قبل نهاية فترة الاختبار، لأنني "not promising" على حد قوله. أخبرني أن ما يتطلب 4 ساعات من العمل، يأخذ مني يومين، وأن ما يتطلب ساعة لفهمه، يتطلب مني يومًا كاملًا من الأسئلة والجهد الذهني. أخبرني أنني لا أنتمي إلى هنا، وأنه من الأفضل لو أنني بدأت في البحث عن مكان آخر قد يستفيد من مهاراتي بشكل أفضل. أخبرني أنني أضيع وقتي، وأضيع وقتهم. وها أنا ذا، أجلس أمامه في تلك الغرفة الضيقة للغاية، يفصل بيننا متر واحد على الأكثر، أنفاسي مكتومة بفعل الكمامتين اللتين أغطي بهما نصف وجهي، والغرفة الضيقة تخنقني أكثر وأكثر، أبدأ في التعرق، أوشك على البكاء، ها هي غصة الحلق. أحاول أن أشرح له طبيعة مرضي، أحاول أن أشرح أن عقلي تغطيه غمامة تمنعني من التفكير بشكل واضح، لقد قالها أحد العلماء من قبل:  « كوفيد طويل الأمد يجعلك غبيًا قليلًا » . أحاول أن أشرح لماذا تستغرق الأمور وقتًا طويلًا معي، ربما لأن قلبي يؤلمني، مف...

اليوم 133 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

ارتعاشات الجسم اللاإرادية أقوى من المعتاد اليوم، بعد أن سمحت لنفسي بتناول وجبة مليئة بالكوليسترول والجلوتين وكل ما هو ضار من مكدونالدز اللعين. المشكلة أن الطعام ليس لذيذًا حتى، لكنه يبدو كذلك. ضغط دمي اليوم منخفض للغاية، 80/50.  ذهبت إلى القاهرة الجديدة لرؤية طبيبة كهرباء القلب تلك، التي يقسم باسمها عشرات من المرضى. رسائل حب وتقدير هنا وهناك على صفحتها على فيسبوك، من أشخاص يقولون إنها أجرت لهم عمليات مثل كوي البؤر الكهربية في القلب وما إلى ذلك. سألتني الطبيبة في شيء من الاستهزاء: "مش بتعملي رياضة ليه؟ انتي ليه مستسلمة لكورونا كده؟" أنا؟ مستسلمة لكورونا؟ لم أعرف بم أرد، فقط لو أنها قرأت تدوينة واحدة من عشرات التدوينات هنا..

اليوم 132 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

باختصار: لست بخير.

اليوم 131 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

And I am the idiot with the painted face In the corner, taking up space But when he walks in, I am loved.

اليوم 130 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

  لم أكتب بالأمس، نعم، أدرك ذلك. قضيت الليلة الماضية في مستشفى القلب بالدقي. أصابتني نوبة من ضربات القلب غير المنتظمة، يسمونها SVT، وهي نوع خبيث من الاضطراب في كهرباء القلب، قد يسبب الموت القلبي المفاجئ في بعض الحالات، وفي معظم الحالات لا يسبب ذلك، ولكنه علامة على مشكلة قلبية. لم يكن قلبي على ما يرام منذ بداية اليوم أمس. ذهبت إلى العمل للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوعين، فقط ليحدث لي ذلك.  كان لدي موعد مع طبيبة المخ والأعصاب، أظهرت تعاطفًا شديدًا مع حالتي، ووصفت لي أدوية جديدة، على أن أتابع معها خلال ثلاثة أسابيع. عند خروجي من العيادة، بدأت أشعر بأوجاع في صدري، وكأن هناك يدًا خفية تعتصر قلبي من الداخل. ألم لاسع يشتد حتى يصل إلى ذروته، ثم يهدأ. حاولت أن أمشي إلى أحد مراكز الأشعة لأطلب المساعدة، لكن قلبي كان يجن تمامًا بعد متر واحد من الحركة، ويكون عليّ أن أتوقف، وأن أضع يدي على قلبي لأتفقد سرعته.  حدث الأمر بشكل مفاجئ، كنت أقف في الشارع ألتقط أنفاسي أمام عيادة الطبيبة، فقط لأشعر بذلك الألم اللاذع في موضع قلبي، ثم بنوع من الرفرفة، وكأن هناك طائرًا يهز جناحيه في صدري، ضربات سر...

اليوم 129 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

A well-spent night in the ER. 

اليوم 128 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

  لن أقول الكثير اليوم. أنا فقط سعيدة بمرور الأيام، فهذا يعني أنني أقترب من الرقم المنشود: تسعة.  تسعة شهور هي الفترة التي استغرقها جسدي للتخلص من الضرر اللعين الذي تسببت فيه كورونا في أول إصابة لي منذ عامين. سأكتفي بقول إنني ذهبت اليوم لإجراء فحص الموجات فوق الصوتية على القلب بالمجهود الدوائي، لمعرفة إذا ما كانت الحالة الوراثية في قلبي هي السبب في هذه الأعراض التي أشعر بها الآن، وإذا ما كنت سأقدر على ممارسة الرياضة أبدًا. كان الفحص مؤلمًا، لا زلت أشعر بصداع يعتصر صدغيّ رأسي. يقومون بحقن دواء معين في الوريد، من شأنه أن يقوم بتسريع ضربات قلبك إلى الحد الأقصى، نتحدث عن 200 ضربة في الدقيقة مثلًا، ويقومون أثناء ذلك بمراقبة نشاط قلبك تحت تأثير هذا المجهود الهائل باستخدام الموجات فوق الصوتية ومخططات رسم القلب.  قامت الممرضة بحقن الدواء في وريد يدي اليسرى في لحظة، وفقد قلبي عقله في اللحظة التالية، كان جسدي بأكمله ينتفض مع كل خفقة، وكنت أشعر بالدماء وهي تندفع بقوة في شرايين مخي، كل دقة قلب كانت تتسبب في ألم شديد نابض في رأسي. كان الأمر أشبه بالإصابة بـ aneurysm مصغرة. على أية حال...

اليوم 127 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

صورة
أهلًا من جديد. يوم آخر يمر في هذه المأساة الإغريقية. ذهبت اليوم -كما تعلمون- لإجراء رسم العضلات والأعصاب في تلك العيادة المغمورة في شارع مراد. كنت لأقوم بإجراء الفحص في واحد من تلك المراكز الكبيرة المعروفة، لكن الطبيبة نصحتني بهذا المركز بالذات. تقول أمي إن الطبيبة تأخذ نسبة من الأرباح إذا قامت بتوجيه مرضاها إلى هذه المراكز، أخبرتها -أمي- أنني لا أمانع إذا حصلت الطبيبة على  « قرشين زيادة»  في هذا الوضع الإقتصادي الحرج. قمنا بركن السيارة على مسافة 400 مترًا من مكان المركز، من الصعب العثور على سنتيمتر واحد شاغر في هذا البلد هذه الأيام.  قلبي مجنون تمامًا، لا أستطيع المشي مترين من دون التوقف لالتقاط أنفاسي، والشعور بأن كلًا من كتفيّ وذراعي الأيسر يحترق من الداخل. كانت أمي تسبقني أمتارًا عديدة، ثم تلاحظ أنني لست على مرأى منها، فتقف قليلًا تنتظر أن ألتقط أنفاسي وألحق بها. كانت العيادة في برج مراد الإداري، وهو برج يضم واحدًا من أكبر تجمعات الأطباء في القاهرة. تدلف إلى المبنى لتجد أمامك جدارًا كبيرًا مغطى بأكمله بلافتات تحمل أسماء أطباء وعيادات ومراكز أشعة وتحاليل وأشياء أخرى....

اليوم 126 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

صورة
  أهلًا من جديد. تناولت صباح اليوم جرعتي الأولي من الناتوكينيز والسيرابيبتيز، على معدة فارغة كما تقول التعليمات على العلبة. هذا هو الدواء المعجزة الذي سمعت عنه الكثير من الأمريكيين من أعضاء مجموعة "Long Covid Support Group" على فيسبوك. يحظى كل من هذين الدواءين باهتمام بالغ في الفترة الأخيرة، وهناك بعض المحاولات المتواضعة لتوثيق تجارب الأشخاص الذين يتعاطونهما من أجل كوفيد طويل الأمد. رأيت على تويتر من فترة وجيزة حسابًا لباحثة أمريكية تقوم بتجاربها الخاصة على مجموعات من الناس الذين يتناولون الناتوكينيز والسيرابيبتيز، ودزينة أخرى من الأدوية والمكملات الغذائية، وقد نشرت نتائج تلك الدراسة المرتجلة جدًا في صورة رسوم بيانية وتخطيطات دائرية هنا .  المهم أنها قد وجدت أن المرضى يشعرون بتحسن ملحوظ عند أخذ جرعات كبيرة من الناتوكينيز زائد أو ناقص السيرابيبتيز. لم أشأ المخاطرة، لأن الناتوكينيز قد يسبب سيولة في الدم، فابتعت 2000 وحدة لكل قرص فقط. أما السيرابيبتيز، فقد قرأت صباح اليوم بعضًا من التجارب غير السارة لمرضى تعاطوا السيرابيبتيز وتسبب ذلك لهم في نزيف داخلي، أو مشاكل في الأمعاء، أو ت...

اليوم 125 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

صورة
  أهلًا من جديد. ليلة أمس، وصلتني نتائج بعض تحاليل الدم التي قمت بها يوم الأربعاء. تفاجأتُ بأن مستوى التروبونين في دمي مرتفع عن الطبيعي. كان الرقم 1.1 نانوجرام لكل مللي لتر يحدق فيّ من شاشة اللابتوب. من المفترض ألا يزيد التروبونين في الدم عن 0.04.  التروبونين هو بروتين يوجد في عضلات القلب، وإذا ارتفع منسوبه في الدم فإن ذلك يعني عدة أشياء غير سارة: إما أنك تعرضت لنوبة قلبية منذ وقت قصير، وإما أنك على وشك التعرض لنوبة قلبية، وإما أن هناك جلطة في رئتك، وإما أن هناك مشكلة في الكلى، وإما أن لديك فشل في القلب، وإما....  هناك أسباب عديدة، ولكن جميعها لا تسرّ الخاطر. قررت الذهاب إلى مركز أمراض القلب بالدقي لتقصي الأمر. ارتديت ملابسي وأخذت سيارة أجرة إلى هناك. قامت الممرضة بتثبيت أقطاب جهاز رسم القلب الكهربي على صدري، توطئة للقيام بالفحص. ثم  وضعتني بعد ذلك على جهاز monitor لقياس ضربات القلب والأكسجين في الدم. كل شيء يبدو طبيبعيًا حتى الآن، أعني، رسم القلب الخاص بي دائمًا ما تنتج عنه ورقة مكتوب عليها "Abnormal ECG"، الشيء الذي يثير فزع الأطباء في غرفة الطوارئ دومًا، قبل أن أه...

اليوم 124 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

  أهلًا! إنه يوم خميس من جديد. كان يومًا لطيفًا بعض الشيء. لم يكن لطيفًا كَكُل، لكن بعضه كان لطيفًا. قضيت الليلة الماضية في حالة غريبة، وكأنني دخنت سيجارة ماريجوانا لتوي، لم أكن أشعر بالعالم حولي، لم أكن أفهم ما يحيط بي في غرفتي. هذه شماعة؟ لا تبدو لي كشماعة، لا يفهم عقلي أن هذه شماعة. أرى الأشياء لكني لا أفهم ماهيتها. استيقظت في السابعة صباحًا بدون سبب واضح، فقط أستيقظ بشكل عشوائي كل يوم على شهقة عميقة. ظللت في السرير طوال الصباح، أشاهد بعض الأفلام الوثائقية عن تاريخ مصر الحديث، وأهلوس بين الحين والآخر حين يغلب عليّ النوم. حجزت ميعادًا جديدًا لإجراء فحص القلب، يوم الإثنين. كما حجزت يوم الأحد موعدًا لإجراء رسم العضلات والأعصاب. ارتديت ثيابي، وذهبت إلى البنك في الدقي، لأتسلم راتبي. أخذت النقود وذهبت إلى "سعودي" ماركت، ذلك الماركت الكبير الذي -على ما يبدو لي- قد بدأ في اكتساح سلسة متاجر مترو مؤخرًا بكل تلك السلع المستوردة. لم أدخل ذلك المتجر منذ الأبد، لقد تغير كثيرًا. هناك طابق أرضي حيث ستجد التوابل والفواكه والخضراوات، وطابق ثانٍ غير الطابق الأساسي حيث ستجد أشياء مثل أدوات ال...

اليوم 123 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

مرحبًا. استيقظت اليوم وأنا لا أشعر بدقات قلبي بشكل فج مثل المعتاد. أستمتع كثيرًا بتلك الدقائق المعدودة التي لا أشعر فيها بدقات قلبي فور استيقاظي من النوم، لكن لا يلبث السيد Thor أن يستيقظ من سباته هو أيضًا، ويعاود الدق بمطرقته على صدري من الداخل. قضيت النهار في السرير، أفكر في طرق للحصول على المال من أجل الفحوصات وتحاليل الدم التي أحتاجها، ثم تذكرت أن مرتب الشهر الماضي (الذي لم أعمل فيه سوى أسبوعين قبل أن يضطرني كوفيد طويل الأمد إلى البقاء في المنزل) ينتظرني في البنك. اتصلت بالبنك لأستفسر عن حسابي، فوجدت أن به نقودًا بالفعل، تنفست الصعداء، على الأقل لن تعلن عائلتي إفلاسها بسببي. صرت أمثل عبئًا ماليًا ونفسيًا ضخمًا على عائلتي، لا أدري إلى متى سيتحملون قبل أن يكسرهم كل ذلك. هذا هو اليوم الثاني من دون بيزوبرولول، لم تعد دقات قلبي قوية فقط، بل سريعة أيضًا. هذا ما كان ينقصنا. ذهبت في المساء مع أمي إلى طبيبة المخ والأعصاب في شارع فيصل من أجل الاستشارة. قضينا ما يقرب من الثلاث ساعات نتجول في الشارع، تناولنا البطاطس المقلية (وهو تصرف غير مسئول، أعرف) حتى يحين دوري. قمت ببعض تحاليل الدم أيضًا، ...

اليوم 122 منذ إصابتي بكوفيد طويل الأمد.

  .