لم أجد القطة البنية الصغيرة اليوم. جاء أخوها "لوك" يعدو نحوي بعد دقائق قليلة من أول "بِس بِس بِس" نبست بها. أما هي، فلا أثر. فكرت: "لابد أنها في العمارة كعادتها، بجانب شقة جارتي" فقد كان هذا هو المعتاد لشهور منذ يناير الماضي، حين وجدتها وأخاها وأختها في صندوق من الكرتون بجوار القمامة، فوضعت حينها الصندوق داخل العمارة المجاورة، بجانب شقة الجارة وبالاتفاق معها. أطعمناهم واعتنينا بهم كل يوم، وفي أحد الأيام لم نجد أختهما، القطة الكاليكو الملونة. بحثنا فوق وتحت، في الدور العلوي والسفلي، ما من أثر لها. ثم تقبلنا الوضع، لقد ماتت. قطة صغيرة بهذا الحجم وحدها بالشارع، لا توجد احتمالات كثيرة. منذ ذلك الحين، وهما أخ وأخت. أطعمهما كل يوم، أضع الماء، وأذهب بهما للطبيب عند الحاجة. شاهدتهما يكبران، وتتحول عيونهما من الأزرق فتتلون بصبغة خضراء فاتحة في عيني لوك، وخضراء مزرقة في عينيّ ليكسي. صرت أحب مؤخرًا أن أتذكر ليلة الشتاء تلك، حين ذهبت بهما إلى عيادة الطبيب في حدائق الأهرام عندما كانا مصابين بالكلاميديا. والكلاميديا في القطط الصغيرة -إذا لم تكن تعلم- قد تعني الموت. كانت...
نحن على متن باخرة فى عرض البحر..تقف روزالين بجانبى على سطح الباخرة فنَرْنو معًا نحو اليابسة التى تقترب شيئًا فشيئًا..هل هذه هى الإسكندرية؟ أم هى البندقية؟ نحن لم ندرس الجغرافيا جيدًا لكن كل شىء يوحى بأن ما نراه الآن هو خليط من مدينتىّ الإسكندرية والبندقية معًا! دعنا نطلق عليها الإسكندقية إذن حتى نجعل الأمور أكثر سلاسة.. أوه أنت لا تفهم، هذه حكايةٌ سرياليةٌ أخرى كما ترى..الأمورُ أبسط وأقل تعقيدًا حين تضعها تحت فئة السريالية..بوسعى أن أقول أنه ثِمة فيل أخضر اللون يرتدى حِلة سهرة ويجلس الآن فى صالون بيتى، ويشيد بفترة حكم العثمانيين لمصر بينما يرشف النبيذ الأحمر..ولكن دعنا من صديقنا جرولزى -هذا ما نحب أن ندعو به ذاك الفيل اللعين- الآن، فإن لهذا قصة أخرى.. ماذا كنا نقول؟ آه نعم، روز تعدّل من وضع غطاء رأسها الذى لا تحبه كثيرًا لكنها ترتديه على أية حال..ترسو بنا الباخرة على شاطئ المدينة: تلك الخليط بين الإسكندرية والبندقية، والتى اصطلحنا على تسميتها بالإسكندقية.. الشوارع مبللة بالندى، والهواء رطب..ثمة مصابيح إنارة من الفلورسنت تسطع بضوء أبيض هنا وهناك..وتستطيع أن تلتقط الطابع الفي...
اليوم أكره كل شيء وكل شخص. عليّ الاستيقاظ باكرًا للحاق بالعمل، قلبي يقفز داخل صدري ب شكل زائد عن المعتاد اليوم. أكره هاتفي البطيء جدًا، أكره وجهي في المرآة، وتلك الانتفاخات تحت عيني، أكره ارتداء كمامتين فوق بعضهما البعض، أكره نظارتي التي تنزلق من فوق أنفي كل نصف دقيقة لتقع على الأرض، أكره حقيقة أن أمي لم تزل لها يدًا في قراراتي، أكره ذلك المرض وذلك الجسد الواهن، أكره تلك الآلام في ذراعي الأيسر ورقبتي، أكره قلبي بكل ما أوتيت من قوة، أمقت هذا البلد، هؤلاء الناس. أكره حتى قصة شعري، شعري الطويل كان بمثابة ميزتي المرئية الوحيدة، والآن وقد تخلصت منه، أشعر أنني فتى في التاسعة من عمره، وفقداني المستمر للوزن لا يحسن من هذا الوضع أيضًا. أود أن أضع وجهي بين راحتيّ، فتتدحرج عيناي خارج محجريهما، فأدلكهما قليلا، ثم ألقي بهما في القمامة. أكره عينيّ. كنت أقول إنني أكره هذا البلد منذ قليل، وأظن أن آلهة العالم السفلي التي تتحكم في هذه البقعة الجغرافية قد سمعتني، فلوّح أنوبيس بصولجانه غاضبًا، ليغلق الطريق المتجه إلى أكتوبر من الهرم (الطريق الصحراوي) بزحام من ذلك الذي يتحول فيه الشارع إلى جراج ...
تعليقات
إرسال تعليق