كانت ليلة طويلة. قابلت صديقًا لم أره منذ نوفمبر الماضي، وجلسنا نتحدث عن كل ما فات كل منا في حياة الآخر، أعني، بالكاد أخبرته بأي شيء عما حدث في حياتي، لأنه لم يكن يلبث أن يُقاطعني ويُدير دّفّة الحديث إلى شيء حدث له. مثلًا، أحاول إخباره عن تلك المرة حين ضللت طريقي وتسلقت جدارًا ومنزلًا في أسوان، فأبدأ القصة متحدثةً عن كيف أن معظم الطرق في أسوان هادئة وبعيدة عن الحضارة، وكيف أنها كانت تجربة مختلفة تمامًا عن القاهرة، فيقاطعني ويبدأ في إخباري عن تلك المرة حين كان في إسبانيا وذهب إلى بار إسباني للغاية، ولم يُعجَب كثيرًا بالبيئة هناك وفضّل أن يجلس في مقهى عادي، وهكذا، وهكذا. على أية حال، انضمت لنا ندى، التي تعيش بالقرب من تلك القهوة، وتبادلنا أطراف الحديث، وبدأ هو في إخبارها كيف أنه كان معجبًا بي حين تقابلنا أول مرة منذ تسعة أشهر، وكيف أنه حاول الخروج معي في موعد من قبل، وكان الأمر كله مثيرًا للحرج وأنا جالسة هناك أسمع كل ذلك. ودَّعْنا صديقي ذلك عند مدخل المبنى الذي تسكن فيه ندى، ثم صعدنا معًا إلى شقتها. صنعت لي بعض القهوة باللبن، ثم اتفقنا على أننا سنذاكر بعضًا من البرمجة بلغة الجافا، ...
لم أجد القطة البنية الصغيرة اليوم. جاء أخوها "لوك" يعدو نحوي بعد دقائق قليلة من أول "بِس بِس بِس" نبست بها. أما هي، فلا أثر. فكرت: "لابد أنها في العمارة كعادتها، بجانب شقة جارتي" فقد كان هذا هو المعتاد لشهور منذ يناير الماضي، حين وجدتها وأخاها وأختها في صندوق من الكرتون بجوار القمامة، فوضعت حينها الصندوق داخل العمارة المجاورة، بجانب شقة الجارة وبالاتفاق معها. أطعمناهم واعتنينا بهم كل يوم، وفي أحد الأيام لم نجد أختهما، القطة الكاليكو الملونة. بحثنا فوق وتحت، في الدور العلوي والسفلي، ما من أثر لها. ثم تقبلنا الوضع، لقد ماتت. قطة صغيرة بهذا الحجم وحدها بالشارع، لا توجد احتمالات كثيرة. منذ ذلك الحين، وهما أخ وأخت. أطعمهما كل يوم، أضع الماء، وأذهب بهما للطبيب عند الحاجة. شاهدتهما يكبران، وتتحول عيونهما من الأزرق فتتلون بصبغة خضراء فاتحة في عيني لوك، وخضراء مزرقة في عينيّ ليكسي. صرت أحب مؤخرًا أن أتذكر ليلة الشتاء تلك، حين ذهبت بهما إلى عيادة الطبيب في حدائق الأهرام عندما كانا مصابين بالكلاميديا. والكلاميديا في القطط الصغيرة -إذا لم تكن تعلم- قد تعني الموت. كانت...
أهلًا من جديد. يوم آخر يمر في هذه المأساة الإغريقية. ذهبت اليوم -كما تعلمون- لإجراء رسم العضلات والأعصاب في تلك العيادة المغمورة في شارع مراد. كنت لأقوم بإجراء الفحص في واحد من تلك المراكز الكبيرة المعروفة، لكن الطبيبة نصحتني بهذا المركز بالذات. تقول أمي إن الطبيبة تأخذ نسبة من الأرباح إذا قامت بتوجيه مرضاها إلى هذه المراكز، أخبرتها -أمي- أنني لا أمانع إذا حصلت الطبيبة على « قرشين زيادة» في هذا الوضع الإقتصادي الحرج. قمنا بركن السيارة على مسافة 400 مترًا من مكان المركز، من الصعب العثور على سنتيمتر واحد شاغر في هذا البلد هذه الأيام. قلبي مجنون تمامًا، لا أستطيع المشي مترين من دون التوقف لالتقاط أنفاسي، والشعور بأن كلًا من كتفيّ وذراعي الأيسر يحترق من الداخل. كانت أمي تسبقني أمتارًا عديدة، ثم تلاحظ أنني لست على مرأى منها، فتقف قليلًا تنتظر أن ألتقط أنفاسي وألحق بها. كانت العيادة في برج مراد الإداري، وهو برج يضم واحدًا من أكبر تجمعات الأطباء في القاهرة. تدلف إلى المبنى لتجد أمامك جدارًا كبيرًا مغطى بأكمله بلافتات تحمل أسماء أطباء وعيادات ومراكز أشعة وتحاليل وأشياء أخرى....
تعليقات
إرسال تعليق