لطالما مثّل لي الموت -كما ينبغي له- أزمة وجودية. أرى أن الموت يجب أن يمثّل لكل من يملك عقلًا بشريًا أزمة من نوع ما. أذكر حين كنت في السابعة، أجلس في السرير الساعة الثانية بعد منتصف الليل، أحدّق في جسد شقيقتي النائم بجواري، ويخبرني الصوت في رأسي: "لقد ماتت! إنها ميتة!"، فأبدأ في الهلع، وأتخيل أن جسدها ساكن، وأن صدرها لا يتحرك مع كل شهيق وزفير، ثم أبدأ في هزّها لتستيقظ. أردد: "إيمان، إيمان، اصحي". ولأن شقيقتي عنيدة -وأيضًا عميقة النوم- فقد كانت تأبى الاستجابة لكل نداءاتي وتوسلاتي لها بأن تستيقظ، فأبدأ حينها في البكاء، وتصديق أنها قد ماتت لا محالة، وأبدأ في التفكير في معضلة إخبار أمي وأبي بخبر وفاتها في الصباح. أعرف أن كثيرًا من الأطفال مروا بذات الموقف، الأطفال ميلودراميون كما تعرف. ولكن، في الحقيقة، لم يتغير شيء للآن وأنا في الرابعة والعشرين. لا زال ذلك الهاجس يؤرقني، أعني، أرى أن كل كائن حي واعٍ بوجوده يجب أن يُقَضّ مضجعه كل ليلة بهذا الموضوع، إلا إذا كنت تُجيد تشتيت نفسك عن تلك الحقيقة، ربما بالتصديق في وجود أحد الآلهة، أو بممارسة اليوجا، أو بشرب الكحول بكميات غير...
أهلًا من جديد. يوم آخر يمر في هذه المأساة الإغريقية. ذهبت اليوم -كما تعلمون- لإجراء رسم العضلات والأعصاب في تلك العيادة المغمورة في شارع مراد. كنت لأقوم بإجراء الفحص في واحد من تلك المراكز الكبيرة المعروفة، لكن الطبيبة نصحتني بهذا المركز بالذات. تقول أمي إن الطبيبة تأخذ نسبة من الأرباح إذا قامت بتوجيه مرضاها إلى هذه المراكز، أخبرتها -أمي- أنني لا أمانع إذا حصلت الطبيبة على « قرشين زيادة» في هذا الوضع الإقتصادي الحرج. قمنا بركن السيارة على مسافة 400 مترًا من مكان المركز، من الصعب العثور على سنتيمتر واحد شاغر في هذا البلد هذه الأيام. قلبي مجنون تمامًا، لا أستطيع المشي مترين من دون التوقف لالتقاط أنفاسي، والشعور بأن كلًا من كتفيّ وذراعي الأيسر يحترق من الداخل. كانت أمي تسبقني أمتارًا عديدة، ثم تلاحظ أنني لست على مرأى منها، فتقف قليلًا تنتظر أن ألتقط أنفاسي وألحق بها. كانت العيادة في برج مراد الإداري، وهو برج يضم واحدًا من أكبر تجمعات الأطباء في القاهرة. تدلف إلى المبنى لتجد أمامك جدارًا كبيرًا مغطى بأكمله بلافتات تحمل أسماء أطباء وعيادات ومراكز أشعة وتحاليل وأشياء أخرى....
كانت ليلة طويلة. قابلت صديقًا لم أره منذ نوفمبر الماضي، وجلسنا نتحدث عن كل ما فات كل منا في حياة الآخر، أعني، بالكاد أخبرته بأي شيء عما حدث في حياتي، لأنه لم يكن يلبث أن يُقاطعني ويُدير دّفّة الحديث إلى شيء حدث له. مثلًا، أحاول إخباره عن تلك المرة حين ضللت طريقي وتسلقت جدارًا ومنزلًا في أسوان، فأبدأ القصة متحدثةً عن كيف أن معظم الطرق في أسوان هادئة وبعيدة عن الحضارة، وكيف أنها كانت تجربة مختلفة تمامًا عن القاهرة، فيقاطعني ويبدأ في إخباري عن تلك المرة حين كان في إسبانيا وذهب إلى بار إسباني للغاية، ولم يُعجَب كثيرًا بالبيئة هناك وفضّل أن يجلس في مقهى عادي، وهكذا، وهكذا. على أية حال، انضمت لنا ندى، التي تعيش بالقرب من تلك القهوة، وتبادلنا أطراف الحديث، وبدأ هو في إخبارها كيف أنه كان معجبًا بي حين تقابلنا أول مرة منذ تسعة أشهر، وكيف أنه حاول الخروج معي في موعد من قبل، وكان الأمر كله مثيرًا للحرج وأنا جالسة هناك أسمع كل ذلك. ودَّعْنا صديقي ذلك عند مدخل المبنى الذي تسكن فيه ندى، ثم صعدنا معًا إلى شقتها. صنعت لي بعض القهوة باللبن، ثم اتفقنا على أننا سنذاكر بعضًا من البرمجة بلغة الجافا، ...
تعليقات
إرسال تعليق