كندا، وقد جُرِدَت من معادنها وبترولها القذر. جُرِدَت من أشجارها ومياهها. شىء متهاوٍ يُرثى له، يغرق فى وعاء كبير، مُغطى بالنمل. والمحيط لا يكترث لأنه يعرف أنه -هو الآخر- يحتضر.
لم أجد القطة البنية الصغيرة اليوم. جاء أخوها "لوك" يعدو نحوي بعد دقائق قليلة من أول "بِس بِس بِس" نبست بها. أما هي، فلا أثر. فكرت: "لابد أنها في العمارة كعادتها، بجانب شقة جارتي" فقد كان هذا هو المعتاد لشهور منذ يناير الماضي، حين وجدتها وأخاها وأختها في صندوق من الكرتون بجوار القمامة، فوضعت حينها الصندوق داخل العمارة المجاورة، بجانب شقة الجارة وبالاتفاق معها. أطعمناهم واعتنينا بهم كل يوم، وفي أحد الأيام لم نجد أختهما، القطة الكاليكو الملونة. بحثنا فوق وتحت، في الدور العلوي والسفلي، ما من أثر لها. ثم تقبلنا الوضع، لقد ماتت. قطة صغيرة بهذا الحجم وحدها بالشارع، لا توجد احتمالات كثيرة. منذ ذلك الحين، وهما أخ وأخت. أطعمهما كل يوم، أضع الماء، وأذهب بهما للطبيب عند الحاجة. شاهدتهما يكبران، وتتحول عيونهما من الأزرق فتتلون بصبغة خضراء فاتحة في عيني لوك، وخضراء مزرقة في عينيّ ليكسي. صرت أحب مؤخرًا أن أتذكر ليلة الشتاء تلك، حين ذهبت بهما إلى عيادة الطبيب في حدائق الأهرام عندما كانا مصابين بالكلاميديا. والكلاميديا في القطط الصغيرة -إذا لم تكن تعلم- قد تعني الموت. كانت...
لطالما مثّل لي الموت -كما ينبغي له- أزمة وجودية. أرى أن الموت يجب أن يمثّل لكل من يملك عقلًا بشريًا أزمة من نوع ما. أذكر حين كنت في السابعة، أجلس في السرير الساعة الثانية بعد منتصف الليل، أحدّق في جسد شقيقتي النائم بجواري، ويخبرني الصوت في رأسي: "لقد ماتت! إنها ميتة!"، فأبدأ في الهلع، وأتخيل أن جسدها ساكن، وأن صدرها لا يتحرك مع كل شهيق وزفير، ثم أبدأ في هزّها لتستيقظ. أردد: "إيمان، إيمان، اصحي". ولأن شقيقتي عنيدة -وأيضًا عميقة النوم- فقد كانت تأبى الاستجابة لكل نداءاتي وتوسلاتي لها بأن تستيقظ، فأبدأ حينها في البكاء، وتصديق أنها قد ماتت لا محالة، وأبدأ في التفكير في معضلة إخبار أمي وأبي بخبر وفاتها في الصباح. أعرف أن كثيرًا من الأطفال مروا بذات الموقف، الأطفال ميلودراميون كما تعرف. ولكن، في الحقيقة، لم يتغير شيء للآن وأنا في الرابعة والعشرين. لا زال ذلك الهاجس يؤرقني، أعني، أرى أن كل كائن حي واعٍ بوجوده يجب أن يُقَضّ مضجعه كل ليلة بهذا الموضوع، إلا إذا كنت تُجيد تشتيت نفسك عن تلك الحقيقة، ربما بالتصديق في وجود أحد الآلهة، أو بممارسة اليوجا، أو بشرب الكحول بكميات غير...
أهلًا من جديد. يوم آخر يمر في هذه المأساة الإغريقية. ذهبت اليوم -كما تعلمون- لإجراء رسم العضلات والأعصاب في تلك العيادة المغمورة في شارع مراد. كنت لأقوم بإجراء الفحص في واحد من تلك المراكز الكبيرة المعروفة، لكن الطبيبة نصحتني بهذا المركز بالذات. تقول أمي إن الطبيبة تأخذ نسبة من الأرباح إذا قامت بتوجيه مرضاها إلى هذه المراكز، أخبرتها -أمي- أنني لا أمانع إذا حصلت الطبيبة على « قرشين زيادة» في هذا الوضع الإقتصادي الحرج. قمنا بركن السيارة على مسافة 400 مترًا من مكان المركز، من الصعب العثور على سنتيمتر واحد شاغر في هذا البلد هذه الأيام. قلبي مجنون تمامًا، لا أستطيع المشي مترين من دون التوقف لالتقاط أنفاسي، والشعور بأن كلًا من كتفيّ وذراعي الأيسر يحترق من الداخل. كانت أمي تسبقني أمتارًا عديدة، ثم تلاحظ أنني لست على مرأى منها، فتقف قليلًا تنتظر أن ألتقط أنفاسي وألحق بها. كانت العيادة في برج مراد الإداري، وهو برج يضم واحدًا من أكبر تجمعات الأطباء في القاهرة. تدلف إلى المبنى لتجد أمامك جدارًا كبيرًا مغطى بأكمله بلافتات تحمل أسماء أطباء وعيادات ومراكز أشعة وتحاليل وأشياء أخرى....
تعليقات
إرسال تعليق