المشاركات

الأرجوحة وجبال الألب.

  تقول إحداهن من زميلات الجامعة معلقةً على ستوري الواتساب خاصتها إن صديقتها -والتي تحتفل بعيد ميلادها اليوم- تشاركها "جنانها" و"هبلها"، وإن كلتيهما تتشاركان "روح طفل صغير" بداخلهما. كتبت كل ذلك تعليقًا على صورة لهما وهما جالستين على أرجوحة، وبدأت أفكر كيف أن تصرفًا طبيعيًا كالجلوس على أرجوحة يمثل للبعض جنونًا و"هبلًا" وشيئًا من روح الطفولة. ثم فكرت قليلًا في كيف أن هذه الفتاة -زميلة الجامعة التي نتحدث عنها- قد تزوجت حالما أنهينا دراستنا منذ عامين، وأنجبت طفلة منذ بضعة أشهر، وربما تغيرت نظرتها للأشياء، فصارت تصنف الأشياء إلى قسمين، قسم الناضجين، وقسم الأطفال، قسم التصرفات التي من شأنها وزوجها وأصدقائها (الكبار) أن يقوموا بها، وقسم التصرفات التي من شأن طفلتها وأطفال أصدقائها (الصغار) أن يقوموا بها. ثم انتقل تفكيري لأصدقائي من أوروبا، وكيف تختلف معايير الـ"جنون" والـ"هبل" فيما بين البلدان، فعلى سبيل المثال، فإن صورة لفتاتين على أرجوحة لا تمثل أي شيء من روح المغامرة والطفولة لليليان (اسم خيالي، أنا لا أعرف واحدةً بهذا الاسم) التي ...

أوَدّ لو آكل تلك الجزرة.

في هذه الحياة، كل ما عليك فعله، على الأرجح، هو أن تجد بعضًا من السلام مع حقيقة أنك تسعى للشهرة والقوة، لأن تكون مصدر إلهام من نوع ما، فقط من أجلك أنت، لا من أجل أمك، لا من أجل صديقك، لا من أجل أن تجعل عمك الذي توفي بسرطان المستقيم فخورًا بك، من أجلك ✨ أنت✨ . الشعور بالتقدير والأهمية. هممم لذيذ للغاية، أليس كذلك؟ أنت يا عزيزي لا تسعى لأن تكون أيقونة في الإصلاح الاجتماعي أو شيء كهذا، إنما فقط تبحث عن معنى ما في دوراتك المستمرة حول البالوعة، في جريك المستمر وراء ثمرة الجزر المربوطة بخيط إلى رأسك. أشم رائحة البول المميزة من حيث أجلس في الأتوبيس العام. تجلس بجانبي امرأة  چ ينيريك للغاية، متشحةً بعباءة سوداء وتزن مائة كيلوجرام ربما. إما أنها قد تبولت الآن في ملابسها، أو أن أحدهم اضطر لتلبية نداء الطبيعة هنا على هذه الحافلة بالذات. هذه ليست المرة الأولى التي أشم فيها رائحة بول على حافلة عامة على أية حال. أمر شائع. أرتدي القميص الأبيض الذي يتوسطه رسم باللون الأحمر لشمس مايو التي تُزين العلم الأرجنتيني. قميص قصير للغاية، تظهر من أسفله بطني وظهري حالما أرفع ذراعيّ قليلًا، وربما ستخبرني...

الكبار يموتون.

الكبار يموتون يتساقطون واحدًا تلو الآخر تظن الواحد منهم سيعيش إلى الأبد أنه عثر على إكسير الحياة أنها شقّت طريقها من بين براثن التحلل ثم لا يلبث أن يأتي بعباءته السوداء على هيأة سوء تغذية كناتج حتمي لأورام الغدة الدرقية أو هبوط في الدورة الدموية كناتج حتمي لجلطات المخ ولا تلبث أن ترتدي الأسود في محاولة ساذجة للعثور على معنى في كل ذلك ارتداؤك للأسود ما هو إلا اعتراف ضمني منك بأنك لا تفهم ماهية الموت أو أنك تفهم، لكنك تختار أن تعتنق العبثية فتحاول إيجاد معنى في التحلل المستمر لخلايانا فليكن الحياة الأخرى أو الجانب الآخر فليكن العود الأبدي فليكن النعيم والجحيم وثنائية الخير والشر وسترتدي السواد وتواسي هذا وذاك ستردد: "إنها في مكان أفضل الآن بين أشجار التانجرين تحت سماوات بلون مربى البرتقال ترتدي السندس والاستبرق حتمًا هي هناك لابد أن تكون هناك وإلا فما جدوى أي شيء؟  صحيح؟" لكن الكبار يموتون وسيواظبون على الموت كما تواظب خلايانا -أنا وأنت- على التحلل سيصير الصغار كبارًا ويصير الأصغرون صغارًا يدفنون كبارهم ويتضرعون إلى المسيح كان أو زيوس أو إلى ذلك "الإله الوحيد الحقيقي"...

مقتضب. (2)

  كنت أعيش في عالم حيث يمكن استنساخ البشر (على ما أظن)، لأن ذلك هو أقرب تفسير علمي لما رأيته في ذلك الحلم. حين بلغت العشرين أو ما يقاربها، تبين أن بي عيبًا خلقيًا ما، أذكر أنه كان يُشار إليه في الحلم بأنه "عيب في التصنيع"، كما لو كنت ثلاجة مطبخ أو فرنًا كهربائيًا، فاضطرت أمي لأن تقتلني قتلًا رحيمًا، كمن يقتل عنزة مصابة بالسرطان، وأن تلدني مرة أخرى. لا أدري كيف كان هذا ممكنًا، لكنها فعلت ذلك. وولدت من جديد، بأنف تشبه أنف شقيقتي بعض الشيء هذه المرة، ووجه يشبه وجهي القديم، وكنت أحتفظ في ذاكرتي بكل ما حدث، أذكر كيف أن أمي اضطرت لأن تقتلني، وأعرف أنني وُلدت من جديد، فكنت أكرر المراحل العُمرية بشيء من المعرفة المسبقة، أي أنني أعرف كيف سأبدو حين أكون في العاشرة، أعرف ما سأدرس في المدرسة في الصف الثاني الإعدادي، أعرف درس العلوم الذي ستأتي منه معظم أسئلة الامتحان، وهكذا.. وقد هالني بشكل خاص أنني سأضطر إلى المرور بالثانوية العامة واجتيازها من جديد. صرصور تَعِس يدور دورةً كاملة حول البالوعة، ثم يبدأ من جديد. 

في أحد تلك الأيام. (3)

  الخميس، السادس عشر من ديسمبر. أقف على شارع الهرم عند المحولات أطلق السباب واللعنات بصوت خفيض وأنا أقرأ تلك الرسالة على هاتفي: "للأسف اتحركنا من المحولات خلاص". لقد فاتني باص الشركة للمرة.. الخامسة؟ أخبرتهم أنني سألحق بهم عند سينما رادوبيس. أحشر نفسي في سيارة الأجرة بالنفر تلك، يبدو السائق في أوائل الستينات من عمره أو شيء كهذا، لم أكن جيدة أبدًا في تقدير أعمار الناس. يبدي استياءه من إغلاق شارع الهرم، ويبدو أنه كان يعيش تحت صخرة كل هذا الوقت، لأنه يقول إنه لم يعرف بأن شارع الهرم مغلق حتى اليوم، "ده بقاله كده شهر ولا حاجة يا حاج"، يقول أحد الركاب. يفتح الرجل المذياع، تأتينا أصوات يتخللها التشويش الاستاتيكي، يتنقل بين القنوات حتى يصل لواحدة تذيع أغنية إنجليزية رديئة بصوت فتاة يذكرك ببريتني سبيرز في عصر ما قبل 2008، ولابد أنه فكر في نفسه: "هممم هذا مثالي". أصل للشركة في الثامنة إلا عشر دقائق، أبدأ على الفور في ترجمة كتاب علم النفس للصف الثالث الثانوي إلى الإنجليزية، الكتاب مكتوب بلغة رديئة بدائية للغاية، ويموج بأخطاء أسلوبية ولغوية تبعث على الضحك. أستمع إلى ل...

مقتضب. (1)

  يقول محمد -الأوفيس بوي ذو الملامح الأسيوية- إن البن الخاص به "خفيف" للغاية، على الرغم من أنه داكن اللون ورائحته نفاذة. يقول: "البن ده بيعمل دماغ كده، بس مش بيفوّق، باشربه لما أبقي عايز أعمل دماغ مع سيجارة، يا سلاااام، بس مش هايفوّقك برضو لأ." أومئ برأسي في حماس وكأني أفهم بالضبط ما يتحدث عنه، لكني لم أفهم بالتحديد كيف لنوع من البن أن يصيبيك بـ "دماغ" فقط من دون أن يجعلك تفيق ولو قليلًا، وكأنه بن منافٍ لأعراف الطبيعة، لكني أخبره بحمية: "أيوه أيوه فاهمة قصدك" على أية حال.

في أحد تلك الأيام. (2)

  ذهبت أول أمس لزفاف صديقة قديمة من المدرسة تُدعى رنا. لم نكن صديقتين مقربتين كما قد يبدو لك، لكنها دعتني على أية حال، وقد تأثرت كثيرًا لذلك، فهي لم تدع من أصدقاء المدرسة إلا عددًا يُعد على أصابع اليد. ارتديت الكنزة الوردية والتنورة الكاروهات البنية القصيرة، ومررت بسيارة الأجرة على لُطفي لنذهب معًا إلى مكان الدعوى على كورنيش المعادي.  دخنت بعض سجائر التوت مع إحدى صديقات لطفي، وتُدعى نادين. أظهرت حضوري للعروسين في صورة مصافحة للعريس وعناق طويل للعروس، ثم أخذت مكاني في صفوف المقاعد، ورُحت أمسد بيديّ على ذراعيّ وكتفيّ وكأني أعانق جسدي، وهي حركة لا إرادية أقوم بها لتهدئة نفسي حين أكون في مواقف اجتماعية حرجة. بدأ الجميع في الرقص على الأغاني السوقية المعتادة، وبقيت أنا في مقعدي أتقلص داخليًا.  بالأمس قمت بتأدية أغنيتين في حفل الكريسماس الذي أقامته مدرسة الموسيقى التي أدرس بها. لم ترتعش ساقيّ أو تتحولا لعوديّ معكرونة إسباجيتي كما اعتادتا من قبل عندما أقف أمام جمهور من الناس، وهي علامة جيدة إن أردت رأيي. لا أنفك أفكر فيما حدث مع يوهانس. الكثير من الدراما مع حبيبته السابقة أصابته ...