المشاركات

آ ريمايندار.

"أين يتسنى لى الرحيل عن روحك؟ أين يتسنى لى الفرار من هالة حضورك؟ لو أننى صعدت للسماء، فإنك هناك..ولو أننى صنعت لنفسى فراشًا فى الجحيم (فى قبرى أو تحت الثرى)، فخمن ماذا؟ ستكون أنت هناك أيضًا..لو أننى سرقت أجنحة الشفق..وصرت أكمن فى أقاصى بقاع بحار الغرب..فحتى هناك، فإن يدك ستهدينى..وإن يدك اليمنى سوف تضُمّنى".

رأسٌ ودماء.

جلسات الارائك الخشبية دوما ما كانت تستهويك، صلابة الخشب المطمئنة خلف ظهرك، ونسمات الهواء الباردة تأتى من حين لآخر لتلهب رقبتك وكل ما هو مكشوف من جسدك، ربما لا يقطعها سوى أنك دوما ما تتصور أنك تلقى حتفك كلما جلست على أريكة خشبية. تأتيك صورة كاملة الأوصاف والتفاصيل فى خيالك، ترى فيها حجرًا أسمنتيًا ضخمًا يسقط من علٍ، ربما أسقطه أحد عاملى البناء عن غير عمد، فيصير يشق الهواء من فوقك، ولا يدرك أحد شيئًا وإلا وهو يسقط فوق رأسك. لا تصرخ ولا تحاول حماية رأسك بأى شكل، تترك الحجر ليسقط فوق رأسك المنحني، فيقتلعه من فوق رقبتك ويهشم جمجمتك من تحته، فتلتحم التحامًا أخيرًا؛ بالأسفلت من ناحية وبالحجر من ناحية أخرى. جسدك عديم الرأس لا زال يجلس على الأريكة لا يلوى على شىء، لم يدرك بعد غياب الرأس، لازال محافظًا على وضعه معتدلًا فوق الأريكة، واليد اليمنى على الركبة اليمنى، والساق اليمنى فوق الساق اليسرى.. أما عن رأسك ، فهو لا يزال ينسحق تحت وزن الحجر، يلتحم مع التراب والأوساخ والبلاط الرخامى، تشعر بالحجر إذ يسحق رأسك، وكأنه سكين ينغرس فى قالب زبد  جيف مانجام لا زال يصدح فى سماعات أذنيك -اللتان لم ...

حيث توجد الموسيقى والناس صغار السن الغاصون بالحياة.

كنا نسير الهوينى فى واحد من شوارع مدينتنا القاتمة، قد كان الوقت ليلا وقد بدأ نسيم خفيف يداعب خصلات شعرى من وقت لآخر، إنه الخريف يا أصدقاء، فلتعزف لنا السوناتا رقم اثنين لتشوبين، ولتصب لنا بعض الشيكولاتة الساخنة فى أقداح، دعنا نشعر ببعض من تلك الحميمية اللاذعة التى تميز الخريف. أخبرته بأن القهوة تترك مذاقا محببا فى الفم بعد الانتهاء منها، فأخبرنى بأن مأساته الكبرى هى أنه اتخذ الحياة بشكل جاد أكثر من اللازم، أخبرنى بأن وجودنا سخيف ومبتذل وتافه، وأن علينا أن نهبط قليلا من عليائنا ونركل غرورنا بعيدا لندرك ذلك، الراحة والبال الرائق يكمنان فى توافه الأمور، عليك بالانشغال بتوافه الأمور ثم الانشغال بتوافه الأمور، فالقبور تعج بالجادين، والمصحات تعج بالجادين، والنيل يحمل فى باطنه دستة من الجادين، ثم ختم حديثه قائلا "أتدرين؟، إنها ليست الأشياء، بل هى الديناميكية التى تسير بها الأشياء" فأخبرته بأنه لا يملك أية فكرة عما يعنيه هذا الذى قاله للتو، فأخبرنى أننى محقة. ابتعنا لفافتى تبغ وقداحة، راحت أصابعي تهتز وترتجف إذ أحاول يائسة ايقاد السيجارة، ضحك من الطريقة التى أدس بها السيجار...

دافنى.

تأملت خصلات شعرها الناعمة المفرودة بعناية بواسطة مكواة الشعر ذات السطح السيراميكى، لم تكن قد صففته بالحرارة منذ وقت طويل ثبتت مشبك شعر عند مقدمة رأسها لكبح جماح خصلات الشعر القصيرة التى تتهدل فوق عينيها من وقت لآخر..كانت تقف أمام المرآة تتأمل وجهها، تبدو بهذا الشعر كتلك الفتاة فى فيلم البورن القصير الذى شاهدته منذ بضعة أيام، لم يكن فيلما تجاريا، لم يكن إلا فتاة وفتى يمارسان الحب بشكل اعتيادى فى منزل صغير..لم تكن جميلة كتلك الفتاة فى الفيلم، لكنها لم تتذمر على أية حال. نحن نلتمس الدفء البشرى ولا نملك شيئا لممانعة ذلك، وقد كانت -هى- تعرف ذلك حق المعرفة وتدركه، فلتدع كيفما شئت أنك ذئب وحيد، فلتتشدق كما شئت بأنك زهرة حائط تفضل الأكسجين عن ثانى أكسيد الكربون، لكنك فى نهاية اليوم سوف تعود لتلتمس القليل من الدفء البشرى على أية حال، ك..ك..كفراشة تنجذب لحرائق الأمازون أو شىء كهذا؟ -هاه انظر، إنه تشبيه مبتذل آخر، نعم اعى ذلك، وأرجو أن تغفر لى-                                      ********

It was fun while it lasted.

صورة

الفتى ذو الفم المفتوح عن آخره.

إن لدى من الأسباب ما يجعلنى أصنع ادعاءً بقلب مستريح؛ وهو أن سالى رذرفورد لم تكن بالشخص الجيد، لطالما لم تكن كذلك لكنكم لم تروا الأمر على هذا الضوء قط، فقد تساقطت كل دفاعاتكم وحبائككم المنطقية أمام قسمات وجهها المثالية.. ولكنى جئت لكم الآن، فلتصلّوا شاكرين إلى كريشنا خالقة هذا الكون السرمدىّ، فأنا هنا لأجعل الأمور واضحة إليكم، سأميط لكم اللثام عما خفى عن حماقتكم وترهاتكم الهرمونية. دعونى أُعلمكم يا سادة بأنه فى صباح اليوم السادس من أيام أحد الشهور، أقدمت ايرينا ماجدولين على قتل نفسها، همم مثير للاهتمام أليس كذلك؟...كيف فعلتها؟ لم فعلتها؟ بم فعلتها؟ نعلم جميعًا -بالطبع- أن ايرينا ماجدولين كانت فتاة طيبة، تأكل رقائق الذرة على الإفطار يوميًا، وتستمع إلى بث آلهة الحكمة كل صباح على المذياع إذ يبثون حكماتهم إلى آذاننا ويصنعون بعض الاهتزازات المحببة على أوتار القيثارة من فوق إحدى السحابات بالأعلى. كلنا -ولا شك- أحببنا ايرينا ماجدولين،لقد كانت روحًا مألوفة إلى قوانيننا، مناقضة بذلك سالى رذرفورد أيما المناقضة.. أجدنى أتساءل أحيانًا فى الساعات الأولى من الصباح، أكان عليها أن تضم سالى فى ...

يقول الإنسان يومئدٍ أين المفر.

ارتدت حافلةً صغيرة فى طريقى للمنزل اليوم وقت الظهيرة..تلك واحدة من المرات القليلة التى أعود فيها إلى شقتى قبل الحادية عشر مساءً.. وإذ أحدق إلى الفراغ أمامى لا ألوىّ على شىء، صعد فتى صغير لا يتعدى العاشرة، ارتقى درجات الحافلة برويّة حِذر أن يتعثر، وهو يحمل بين يديه قصاصات ورقية من خامة رديئة للغاية، مطبوعة عليها آيات من القرآن.. شرع الصغير يلقى بالقصاصات على حجورنا بشكل روتينىّ عارضًا بضاعته..قصاصة لكل واحد..ابتسمت فى باطنى، فهأنذا أجلس فى حافلة، وتستلقى على ساقىّ قصاصة صغيرة مكتوب عليها "سورة الواقعة"..رماها إلىّ فتى صغير فى ظن بائس منه أننى من الممكن أن أبتاعها.. لكنى ولدهشتى أجد أصابعى تمتد إلى القصاصة الخضراء الصغيرة، ولا أفيق إلا وأنا أتصفحها بين يدىّ، أردد بأنفاس متقطعة الآيات التى اعتدت الترنم بها واستذكارها عن ظهر قلب، والبكاء تأثرًا على إثر تلاوتها..تتحرك عيناى فوق السطور من آية لأخرى.. "إذا وقعت الواقعة، ليس لوقعتها كاذبة، خافضة رافعة، إذا رُجَّت الأرض رجًا، وهُزّت الجبال هزًّا، فكانت هباءً منبثًا" ولا أخفى عليك فقد أثار ذلك فى نفسى شعورًا من الم...