المشاركات

اختبارات. (7 مايو 2022)

صورة
  كانت ليلة طويلة. قابلت صديقًا لم أره منذ نوفمبر الماضي، وجلسنا نتحدث عن كل ما فات كل منا في حياة الآخر، أعني، بالكاد أخبرته بأي شيء عما حدث في حياتي، لأنه لم يكن يلبث أن يُقاطعني ويُدير دّفّة الحديث إلى شيء حدث له. مثلًا، أحاول إخباره عن تلك المرة حين ضللت طريقي وتسلقت جدارًا ومنزلًا في أسوان، فأبدأ القصة متحدثةً عن كيف أن معظم الطرق في أسوان هادئة وبعيدة عن الحضارة، وكيف أنها كانت تجربة مختلفة تمامًا عن القاهرة، فيقاطعني ويبدأ في إخباري عن تلك المرة حين كان في إسبانيا وذهب إلى بار إسباني للغاية، ولم يُعجَب كثيرًا بالبيئة هناك وفضّل أن يجلس في مقهى عادي، وهكذا، وهكذا. على أية حال، انضمت لنا ندى، التي تعيش بالقرب من تلك القهوة، وتبادلنا أطراف الحديث، وبدأ هو في إخبارها كيف أنه كان معجبًا بي حين تقابلنا أول مرة منذ تسعة أشهر، وكيف أنه حاول الخروج معي في موعد من قبل، وكان الأمر كله مثيرًا للحرج وأنا جالسة هناك أسمع كل ذلك. ودَّعْنا صديقي ذلك عند مدخل المبنى الذي تسكن فيه ندى، ثم صعدنا معًا إلى شقتها. صنعت لي بعض القهوة باللبن، ثم اتفقنا على أننا سنذاكر بعضًا من البرمجة بلغة الجافا، ...

أشياء بشرية.

صورة
  في الليلة الماضية، وأنا أدلف إلى مدخل المبنى الذي أسكن فيه، لمحت صورة للشعراوي، لم أرها هنا من قبل، تطل من خلف لافتة لإعلان عن عيادة طب الأسنان في الطابق الثاني، وكنت قبل ذلك بثوانٍ أحاول أن أتمالك نفسي وأسيطر على تلك الرغبة الحارقة في البكاء، والغصة في حلقي، وحفلة الآلات النحاسية القائمة في رأسي. شعرت بغضب مضحك من ذلك الشيخ الذي يطلّ من وراء اللافتة ويضحك تلك الضحكة الصفراء في وجهي. ألقيت نظرة سريعة على غرفة البوّاب، فرأيت الستائر مُسدلة على الباب. أمسكت بالصورة وحشرتها خلف لافتة إعلان طبيب الأسنان، حتى اختفت تمامًا ولم يعد أي جزء منها ظاهرًا. نظرت إلى الحائط برضا، واستكملت طريقي لأصعد الدرج. أشعر كأن تجويفًا كبيرًا أصبح في مكان كل الأعضاء والعظام والأنسجة الدهنية التي تسكن صدري. - صدقيني، سنشعر أن ذلك هو الشيء الصحيح الذي كان ينبغي فعله بعد شهور من الآن. = لا أظن أن ذلك سيبدو لي كالشيء الصحيح الذي كان يجب فعله في أي وقت، ولو بعد سنوات. لم أشعر بهذا السوء منذ وقت طويل جدًا، وسَئمت مشاهدة كل الأشخاص الذين أحببتهم بكل قدرتي على الحب وهم يرحلون. ربما ظننت أن هذه المرة ستكون "مختلف...

الأرجوحة وجبال الألب.

  تقول إحداهن من زميلات الجامعة معلقةً على ستوري الواتساب خاصتها إن صديقتها -والتي تحتفل بعيد ميلادها اليوم- تشاركها "جنانها" و"هبلها"، وإن كلتيهما تتشاركان "روح طفل صغير" بداخلهما. كتبت كل ذلك تعليقًا على صورة لهما وهما جالستين على أرجوحة، وبدأت أفكر كيف أن تصرفًا طبيعيًا كالجلوس على أرجوحة يمثل للبعض جنونًا و"هبلًا" وشيئًا من روح الطفولة. ثم فكرت قليلًا في كيف أن هذه الفتاة -زميلة الجامعة التي نتحدث عنها- قد تزوجت حالما أنهينا دراستنا منذ عامين، وأنجبت طفلة منذ بضعة أشهر، وربما تغيرت نظرتها للأشياء، فصارت تصنف الأشياء إلى قسمين، قسم الناضجين، وقسم الأطفال، قسم التصرفات التي من شأنها وزوجها وأصدقائها (الكبار) أن يقوموا بها، وقسم التصرفات التي من شأن طفلتها وأطفال أصدقائها (الصغار) أن يقوموا بها. ثم انتقل تفكيري لأصدقائي من أوروبا، وكيف تختلف معايير الـ"جنون" والـ"هبل" فيما بين البلدان، فعلى سبيل المثال، فإن صورة لفتاتين على أرجوحة لا تمثل أي شيء من روح المغامرة والطفولة لليليان (اسم خيالي، أنا لا أعرف واحدةً بهذا الاسم) التي ...

أوَدّ لو آكل تلك الجزرة.

في هذه الحياة، كل ما عليك فعله، على الأرجح، هو أن تجد بعضًا من السلام مع حقيقة أنك تسعى للشهرة والقوة، لأن تكون مصدر إلهام من نوع ما، فقط من أجلك أنت، لا من أجل أمك، لا من أجل صديقك، لا من أجل أن تجعل عمك الذي توفي بسرطان المستقيم فخورًا بك، من أجلك ✨ أنت✨ . الشعور بالتقدير والأهمية. هممم لذيذ للغاية، أليس كذلك؟ أنت يا عزيزي لا تسعى لأن تكون أيقونة في الإصلاح الاجتماعي أو شيء كهذا، إنما فقط تبحث عن معنى ما في دوراتك المستمرة حول البالوعة، في جريك المستمر وراء ثمرة الجزر المربوطة بخيط إلى رأسك. أشم رائحة البول المميزة من حيث أجلس في الأتوبيس العام. تجلس بجانبي امرأة  چ ينيريك للغاية، متشحةً بعباءة سوداء وتزن مائة كيلوجرام ربما. إما أنها قد تبولت الآن في ملابسها، أو أن أحدهم اضطر لتلبية نداء الطبيعة هنا على هذه الحافلة بالذات. هذه ليست المرة الأولى التي أشم فيها رائحة بول على حافلة عامة على أية حال. أمر شائع. أرتدي القميص الأبيض الذي يتوسطه رسم باللون الأحمر لشمس مايو التي تُزين العلم الأرجنتيني. قميص قصير للغاية، تظهر من أسفله بطني وظهري حالما أرفع ذراعيّ قليلًا، وربما ستخبرني...

الكبار يموتون.

الكبار يموتون يتساقطون واحدًا تلو الآخر تظن الواحد منهم سيعيش إلى الأبد أنه عثر على إكسير الحياة أنها شقّت طريقها من بين براثن التحلل ثم لا يلبث أن يأتي بعباءته السوداء على هيأة سوء تغذية كناتج حتمي لأورام الغدة الدرقية أو هبوط في الدورة الدموية كناتج حتمي لجلطات المخ ولا تلبث أن ترتدي الأسود في محاولة ساذجة للعثور على معنى في كل ذلك ارتداؤك للأسود ما هو إلا اعتراف ضمني منك بأنك لا تفهم ماهية الموت أو أنك تفهم، لكنك تختار أن تعتنق العبثية فتحاول إيجاد معنى في التحلل المستمر لخلايانا فليكن الحياة الأخرى أو الجانب الآخر فليكن العود الأبدي فليكن النعيم والجحيم وثنائية الخير والشر وسترتدي السواد وتواسي هذا وذاك ستردد: "إنها في مكان أفضل الآن بين أشجار التانجرين تحت سماوات بلون مربى البرتقال ترتدي السندس والاستبرق حتمًا هي هناك لابد أن تكون هناك وإلا فما جدوى أي شيء؟  صحيح؟" لكن الكبار يموتون وسيواظبون على الموت كما تواظب خلايانا -أنا وأنت- على التحلل سيصير الصغار كبارًا ويصير الأصغرون صغارًا يدفنون كبارهم ويتضرعون إلى المسيح كان أو زيوس أو إلى ذلك "الإله الوحيد الحقيقي"...

مقتضب. (2)

  كنت أعيش في عالم حيث يمكن استنساخ البشر (على ما أظن)، لأن ذلك هو أقرب تفسير علمي لما رأيته في ذلك الحلم. حين بلغت العشرين أو ما يقاربها، تبين أن بي عيبًا خلقيًا ما، أذكر أنه كان يُشار إليه في الحلم بأنه "عيب في التصنيع"، كما لو كنت ثلاجة مطبخ أو فرنًا كهربائيًا، فاضطرت أمي لأن تقتلني قتلًا رحيمًا، كمن يقتل عنزة مصابة بالسرطان، وأن تلدني مرة أخرى. لا أدري كيف كان هذا ممكنًا، لكنها فعلت ذلك. وولدت من جديد، بأنف تشبه أنف شقيقتي بعض الشيء هذه المرة، ووجه يشبه وجهي القديم، وكنت أحتفظ في ذاكرتي بكل ما حدث، أذكر كيف أن أمي اضطرت لأن تقتلني، وأعرف أنني وُلدت من جديد، فكنت أكرر المراحل العُمرية بشيء من المعرفة المسبقة، أي أنني أعرف كيف سأبدو حين أكون في العاشرة، أعرف ما سأدرس في المدرسة في الصف الثاني الإعدادي، أعرف درس العلوم الذي ستأتي منه معظم أسئلة الامتحان، وهكذا.. وقد هالني بشكل خاص أنني سأضطر إلى المرور بالثانوية العامة واجتيازها من جديد. صرصور تَعِس يدور دورةً كاملة حول البالوعة، ثم يبدأ من جديد. 

في أحد تلك الأيام. (3)

  الخميس، السادس عشر من ديسمبر. أقف على شارع الهرم عند المحولات أطلق السباب واللعنات بصوت خفيض وأنا أقرأ تلك الرسالة على هاتفي: "للأسف اتحركنا من المحولات خلاص". لقد فاتني باص الشركة للمرة.. الخامسة؟ أخبرتهم أنني سألحق بهم عند سينما رادوبيس. أحشر نفسي في سيارة الأجرة بالنفر تلك، يبدو السائق في أوائل الستينات من عمره أو شيء كهذا، لم أكن جيدة أبدًا في تقدير أعمار الناس. يبدي استياءه من إغلاق شارع الهرم، ويبدو أنه كان يعيش تحت صخرة كل هذا الوقت، لأنه يقول إنه لم يعرف بأن شارع الهرم مغلق حتى اليوم، "ده بقاله كده شهر ولا حاجة يا حاج"، يقول أحد الركاب. يفتح الرجل المذياع، تأتينا أصوات يتخللها التشويش الاستاتيكي، يتنقل بين القنوات حتى يصل لواحدة تذيع أغنية إنجليزية رديئة بصوت فتاة يذكرك ببريتني سبيرز في عصر ما قبل 2008، ولابد أنه فكر في نفسه: "هممم هذا مثالي". أصل للشركة في الثامنة إلا عشر دقائق، أبدأ على الفور في ترجمة كتاب علم النفس للصف الثالث الثانوي إلى الإنجليزية، الكتاب مكتوب بلغة رديئة بدائية للغاية، ويموج بأخطاء أسلوبية ولغوية تبعث على الضحك. أستمع إلى ل...