المشاركات

مقتضب. (2)

  كنت أعيش في عالم حيث يمكن استنساخ البشر (على ما أظن)، لأن ذلك هو أقرب تفسير علمي لما رأيته في ذلك الحلم. حين بلغت العشرين أو ما يقاربها، تبين أن بي عيبًا خلقيًا ما، أذكر أنه كان يُشار إليه في الحلم بأنه "عيب في التصنيع"، كما لو كنت ثلاجة مطبخ أو فرنًا كهربائيًا، فاضطرت أمي لأن تقتلني قتلًا رحيمًا، كمن يقتل عنزة مصابة بالسرطان، وأن تلدني مرة أخرى. لا أدري كيف كان هذا ممكنًا، لكنها فعلت ذلك. وولدت من جديد، بأنف تشبه أنف شقيقتي بعض الشيء هذه المرة، ووجه يشبه وجهي القديم، وكنت أحتفظ في ذاكرتي بكل ما حدث، أذكر كيف أن أمي اضطرت لأن تقتلني، وأعرف أنني وُلدت من جديد، فكنت أكرر المراحل العُمرية بشيء من المعرفة المسبقة، أي أنني أعرف كيف سأبدو حين أكون في العاشرة، أعرف ما سأدرس في المدرسة في الصف الثاني الإعدادي، أعرف درس العلوم الذي ستأتي منه معظم أسئلة الامتحان، وهكذا.. وقد هالني بشكل خاص أنني سأضطر إلى المرور بالثانوية العامة واجتيازها من جديد. صرصور تَعِس يدور دورةً كاملة حول البالوعة، ثم يبدأ من جديد. 

في أحد تلك الأيام. (3)

  الخميس، السادس عشر من ديسمبر. أقف على شارع الهرم عند المحولات أطلق السباب واللعنات بصوت خفيض وأنا أقرأ تلك الرسالة على هاتفي: "للأسف اتحركنا من المحولات خلاص". لقد فاتني باص الشركة للمرة.. الخامسة؟ أخبرتهم أنني سألحق بهم عند سينما رادوبيس. أحشر نفسي في سيارة الأجرة بالنفر تلك، يبدو السائق في أوائل الستينات من عمره أو شيء كهذا، لم أكن جيدة أبدًا في تقدير أعمار الناس. يبدي استياءه من إغلاق شارع الهرم، ويبدو أنه كان يعيش تحت صخرة كل هذا الوقت، لأنه يقول إنه لم يعرف بأن شارع الهرم مغلق حتى اليوم، "ده بقاله كده شهر ولا حاجة يا حاج"، يقول أحد الركاب. يفتح الرجل المذياع، تأتينا أصوات يتخللها التشويش الاستاتيكي، يتنقل بين القنوات حتى يصل لواحدة تذيع أغنية إنجليزية رديئة بصوت فتاة يذكرك ببريتني سبيرز في عصر ما قبل 2008، ولابد أنه فكر في نفسه: "هممم هذا مثالي". أصل للشركة في الثامنة إلا عشر دقائق، أبدأ على الفور في ترجمة كتاب علم النفس للصف الثالث الثانوي إلى الإنجليزية، الكتاب مكتوب بلغة رديئة بدائية للغاية، ويموج بأخطاء أسلوبية ولغوية تبعث على الضحك. أستمع إلى ل...

مقتضب. (1)

  يقول محمد -الأوفيس بوي ذو الملامح الأسيوية- إن البن الخاص به "خفيف" للغاية، على الرغم من أنه داكن اللون ورائحته نفاذة. يقول: "البن ده بيعمل دماغ كده، بس مش بيفوّق، باشربه لما أبقي عايز أعمل دماغ مع سيجارة، يا سلاااام، بس مش هايفوّقك برضو لأ." أومئ برأسي في حماس وكأني أفهم بالضبط ما يتحدث عنه، لكني لم أفهم بالتحديد كيف لنوع من البن أن يصيبيك بـ "دماغ" فقط من دون أن يجعلك تفيق ولو قليلًا، وكأنه بن منافٍ لأعراف الطبيعة، لكني أخبره بحمية: "أيوه أيوه فاهمة قصدك" على أية حال.

في أحد تلك الأيام. (2)

  ذهبت أول أمس لزفاف صديقة قديمة من المدرسة تُدعى رنا. لم نكن صديقتين مقربتين كما قد يبدو لك، لكنها دعتني على أية حال، وقد تأثرت كثيرًا لذلك، فهي لم تدع من أصدقاء المدرسة إلا عددًا يُعد على أصابع اليد. ارتديت الكنزة الوردية والتنورة الكاروهات البنية القصيرة، ومررت بسيارة الأجرة على لُطفي لنذهب معًا إلى مكان الدعوى على كورنيش المعادي.  دخنت بعض سجائر التوت مع إحدى صديقات لطفي، وتُدعى نادين. أظهرت حضوري للعروسين في صورة مصافحة للعريس وعناق طويل للعروس، ثم أخذت مكاني في صفوف المقاعد، ورُحت أمسد بيديّ على ذراعيّ وكتفيّ وكأني أعانق جسدي، وهي حركة لا إرادية أقوم بها لتهدئة نفسي حين أكون في مواقف اجتماعية حرجة. بدأ الجميع في الرقص على الأغاني السوقية المعتادة، وبقيت أنا في مقعدي أتقلص داخليًا.  بالأمس قمت بتأدية أغنيتين في حفل الكريسماس الذي أقامته مدرسة الموسيقى التي أدرس بها. لم ترتعش ساقيّ أو تتحولا لعوديّ معكرونة إسباجيتي كما اعتادتا من قبل عندما أقف أمام جمهور من الناس، وهي علامة جيدة إن أردت رأيي. لا أنفك أفكر فيما حدث مع يوهانس. الكثير من الدراما مع حبيبته السابقة أصابته ...

لا أدري. (4)

               لم تهضم خلايا دماغي بعد حقيقة موت أبي، أدرك هذا كل يوم. أعني.. تأتيني تلك اللحظات التي يتوجب عليّ فيها أن أردد: "إنه ميت.. لقد مات.. إنه ميت" بصوت عالٍ، حتى أتمكن من تصديق أن ذلك قد حدث بالفعل. لا زال عقلي يعيش في عالم لم يمت فيه أبي. أراه في نومي كل يوم تقريبًا، حي يُرزق، ويجد عقلي ثغرة ما يستعملها ليفسر بقائه على قيد الحياة. فمثلًا رأيت في مرة أننا تمكنا من إنقاذه في آخر لحظة قبل موته بالإنعاش القلبي، ومرة أخرى رأيت أننا قمنا بدفنه بالخطأ، وأنه كان فقط فاقدًا للوعي ونحن -كالحمقى- ظننا أنه مات، ونسمع طرقات على الباب ونفتح لنجده هناك، شعره أشعث وممتلئ بالغبار والتراب، ويخبرنا أننا حمقى وأننا ظنناه مات، وأن التربي سمعه يطرق على سقف القبر لحسن الحظ، فأزاح الرخام وأخرجه من هناك. في مرات أخرى، أراه شابًا في الثلاثين من عمره، ومرات أخرى أراه في الثالثة والسبعين من عمره (وذلك مستحيل لأنه مات في الواحدة والسبعين)، وفي مرة رأيت أننا عرفنا سلفًا أنه سيموت بعد عدة أيام، فظللت أبكي كثيرًا، وظل هو يخبرني أنه لا بأس، لا داعي للحزن، لقد حان ...

أشياء تحدث لأشخاص.

  مرّ عيد ميلاد أبي هذا العام مر الكرام، أردت أن أكتب شيئًا في هذا اليوم، كنوع من -تعرف- تكريم ذكراه؟ هذا هو عيد ميلاده الثاني في القبر، لكان في الثالثة والسبعين الآن. على أية حال، بالأمس مررت ببعض الحوادث المثيرة لتقلص الوجه، مثلًا الأوفيس بوي في الشركة سألني وهو يتناول مني النقود مقابل كيس رقائق البطاطا: "هل أنتِ هادئة هكذا دومًا؟ أراهن أنكِ صاخبة جدًا في المنزل هاها." آه فقط تناول النقود يا رجل، لِم علينا تبادل أطراف الحديث كأننا نهتم بشكل عميق لأمر بعضنا البعض؟ ابتسمت له على أية حال وقلت كاذبة: "هاهاها لا، أنا هكذا دومًا." لم أشأ بالطبع أن أقول إنني فقط لا أستلطف الجميع كثيرًا هنا وأن جلّ ما أرغب فيه هو أن أُترك وشأني. فقال شيئًا جديرًا برجل مثله أن يقوله (أوه لا تنظر إليّ هكذا، أحيانًا تكون آراء الناس واضحة على وجوههم، أنا لا أطلق أحكامًا فارغة هنا): "كويس كويس، هو المفروض البنات تبقى كده أصلًا، مش زي اليومين دول تلاقي صوتها أد كده واصل للشارع هاهاهاها." لم أقدر (ولم أرغب في) مقاومة ذلك التقلص في عضلات وجهي وتركته يظهر للعيان، ودارت عيناي في محجريهما ...

لأنه رجل لطيف طيب (ولا أحد ينكر ذلك).

  "آه يا أبناء الملاعين، يا شياطين الأرض!" هكذا يبدأ السيد خوري صباحه كل يوم، بالصراخ بصوت عالٍ وسب كل من ليس على هواه، وهم كثر إن أردت رأيي. كان السيد خوري رجلًا خمسينيًا كريهًا منفرًا، بلحيته الرمادية الكثيفة وملامحه الغليظة. على الرغم من ذلك، تبدو في ملامحه بقايا وسامة عربية قديمة إن كان لي أن أعترف بذلك. كان رجلًا مرتابًا، لا معارف له ولا أصدقاء، اللهم من أخيه الأصغر الذي كان يزوره من الحين للآخر. كان السيد خوري يدين بنسخة مثيرة للإهتمام من الإسلام. تعرفون أن هناك عدة نسخ من كل ديانة ولدت في هذا العالم، أجرؤ على القول إنهم نسخ لا نهائية، أو فلنقل أنهم بعدد أفراد هذا الكوكب من باب عدم المبالغة هاها. وكأي مسلم يدين بهذه النسخة المضحكة من تلك الديانة الحديثة نسبيًا، فإن السيد خوري كان يكره النساء والملحدين كراهية عمياء، يمقتهم حتى الموت، ويصرخ في صباح كل يوم داعيًا عليهم بالخراب، وبأن يغرقوا في بحر من الحمم السائلة حتى تذوب عظامهم. وقد كان يعيش في الطابق الأرضي للبناية التي أسكن بها، بداخل متجر البقالة خاصته.  كان يضع كاميرا للمراقبة فوق باب متجره، ويجلس كل ظهيرة يراقب المار...