المشاركات

إضاءات. (9)‏

"إننا نذهب إلى القبر ملفوفين بشرشف فحسب، فلماذا تُجهدين نفسك هكذا؟"

المنضدة.

  اليوم، حرّكت أمي منضدة السرير الخاصة بأبي من مكانها لأول مرة منذ ما يقرب من العام ونصف. استيقظت على أصوات تحريك الأثاث، ورائحة البخور التي تخبرني دومًا أن أمي في مزاج طيب اليوم للقيام بالأشياء. في طريقي إلى صالة بيتنا، لمحت فراغًا في غرفة أبي، كانت مكانه تلك المنضدة التي كانت يومًا بجانب سريره، قبل أن يحركها أعمامي وخالي والمغسّل إلى ركن الغرفة، ليفسحوا مكانًا لتغسيل جسد أبي ظُهر يوم موته. ومنذ ذلك اليوم ولم تجرؤ أمي على تحريكها إنشًا من مكانها، بل ولم تلمس شيئًا من الأغراض التي كانت عليها، حتى اعتلاها ركام من التراب. اليوم رأيت هذه المنضدة نظيفة وسطحها لامع خال تمامًا من الأغراض لأول مرة منذ فترة طويلة. وإن دل ذلك على شيء، فإنه دليل آخر جديد يصرخ في وجهي بأن أبي لم يعد هنا بعد الآن، اختفت علامات وجوده المتبقية. اعتدت أن أحدق في هذه المنضدة في الليل حين تنام أمي. أحدق في قنينة الكولونيا الخضراء، تلك التي كانت بجانب سريره ذلك اليوم حين كنا نحاول إفاقته، فأمسكت حينها تلك القنينة ورششت بعضًا من الكولونيا على رسغي الأيسر، وقرّبتها من أنفه على أمل أن يستنشقها ويفيق، لكنه لم يفعل بالطب...

ديسمبر. (2)

  أوه مرحبًا.  في آخر مرة رأيتموني كنت متخفية كمن يرتدي عباءة الإخفاء، وهي قدرة استخدمتها لاحقًا للأخذ بثأري من ذلك الرجل المهم. بالتأكيد تتذكرون الرجل المهم. في يوم من الأيام -وتحت عباءة الإخفاء خاصتي- اختبأت في المصعد، ورأيت الرجل المهم وهو يدخل من الباب. انتظرت حتى انطبق مصراعا الباب على بعضهما لأكشف عن نفسي، ثم من دون كلمة واحدة انقضضت على الرجل المهم، ارتميت في حضنه واعتصرته بين ذراعي. وكما توقعت، انفتح باب المصعد لتظهر الزوجة أمامه. في أثناء ذلك، كان الرجل المهم يحاول أن يتملص من بين ذراعي، ولكن الأوان كان قد فات، فقد رأتني بين ذراعيه. كان مرتبكًا لا يعي ما يحدث. وقد كان هذا كافيًا لأن تفقد الزوجة صوابها بالكامل. أغمضت عينيّ وتخيلت أنني في الشارع أسفل البناية، وقد كان. في اللحظة التالية كان جميع المارة يحدقون بالأعلى فوق رؤوسهم، حيث رأينا امرأة عظيمة القوى تمسك بصندوق حديدي كبير يبدو كمصعد كهربي، تحرره من الأسلاك الحديدية المتصلة به، ثم تقذف به إلى الشارع ليتحطم وسط صراخ المارة! من كان يدري أنها تمتلك قدرة خارقة هي الأخرى؟ لقد نال الرجل المهم الجزاء الذي يستحقه على أية ح...

ديسمبر. (1)

  دعني أوضح كيف وصلنا إلى هنا..  كنت أتصفح أحد مواقع التواصل الاجتماعي، تلك التي تحتوى على الكثير من درجات اللون الأزرق، يقولون أنه لون مهدئ للأعصاب، وأجد هذا باعثًا للسخرية في الحقيقة.. ثم ظهر أمامي ذلك الاعلان الغريب من اللا مكان. كان يقول: "الآن ولفترة محدودة يمكنك الحصول على قوة خارقة مجانًا، قوة تحقيق الأشياء بمجرد تخيلها. إذا أردت الاستمرار فقط عليك بوضع اصبعك على شاشة هاتفك، وتخيل أنك تمتلك القوة، فقط عليك أن تتخيل أن لديك القوة بالفعل، فإن فعلت هذا بالقوة الكافية، فستكون لك القوة." استرعت فضلات الثيران هذه انتباهى، بدا ذلك مضحكًا كإعلانات مواقع المواعدة العشوائية، أو تلك الإعلانات الأخرى التى تعدك بتكبير قضيبك في عشر دقائق. لكنى كنت في مزاج رائق لبعض الهراء وقتها، لذا فقد وضعت اصبعى على الشاشة، أغمضت عينيّ وتخيلت أننى أمتلك القوة، اختلقت صورًا لى وأنا أشعل نيرانًا بمجرد تخيلها، أنتقل آنيًا إلى تورونتو فقط بتخيل أنني فعلت..ثم فتحت عينيّ...  لم يحدث شيء بالطبع، ماذا عساه أن يحدث؟ نظرت إلى باب الغرفة التي كنت أجلس فيها، تخيلت أنه مفتوح، فسمعت في لحظتها صوت "كليك...

السابع ‏عشر ‏من ‏يونيو ‏2019.

آه إنه موعد مباراة أخرى من تلك المباريات، لم تكن يومًا من مشجعى تلك الرياضة على أية حال..إنها الحادية عشر ليلًا وشوارع الدقّى خالية عن بكرة أبيها -لو كان لها واحدًا-..الجميع متكدسون فى دستات بشرية أمام التلفاز/المذياع بعيون جاحظة وآذان جاحظة أيضًا ههه..أنت تسير وحدك مثلما اعتدت مؤخرًا..فهذا هو الصيف، لا أحد يهاتف أحدًا فى الصيف، أو هكذا ما صارت عليه الأمور..إلا لو أن أحدهم كان يرغب فى التأكد من أن فريق مشروع التخرج خاصته مكتمل وبه أكبر عدد من المحترفين، عندها فسيحدثك الجميع..وحتى هذا فهو لا يحدث لك. "اليوم سوف أنهى الأمر برمته" تهمس وأنت تسير حذاء متجر الشاورما الشهير الذى يحبه الجميع..تُرى، أرآك ذاك الرجل وأنت تحرك شفتيك لتُحدث الفراغ؟ لا يهم.. الشوارع لا تزال خاوية والسيارات تمر بمعدل سيارتين كل ستّين ثانيةٍ أو ما يقرب..الرجال المتبقون فى الشارع يثيرون فزعك..ثمة شىء غير صحيح فى تلك الوجوه المتسخة المشعرة..وحتى الوجوه الغير المشعرة فإنها تعطى أصحابها مظهر ثعابين لزجة ملساء..تترك وراءها سائلًا غامض التركيب كلما زحفت إلى الأمام.. ماذا حل بالجميع؟..لماذا يُظهر الرجال أسوأ ما في...

مسدسٌ محشو لن يُحررك. (أو هكذا تقول)

ا لمرأة التى ترتدى فستانًا أحمر من القطيفة تطاردنا حول المنزل.. كانت تملك وجهًا يشبه وجه أمى لسبب لا أدريه، أما جسدها فقد كان ممتلئًا ومتسقًا فى الوقت ذاته.  كانت تطاردنا لسبب ندريه جميعًا فى قرارة أنفسنا، كانت ترغب فى شرب دمائنا بالطبع. لقد مر الوقت، نضجنا ونضجت أجسادنا معنا، وصرنا ثمارًا فى طور القطف الآن. ستشرب دماءنا وتستحم بها لتستعيد شبابها المفقود، كما فعلت طوال القرنين الماضيين. كانت ذئبًا يُطعم ثلاثة حِملان بلهاء فى صبر لسنوات وسنوات. نسمعها تصيح من خلفنا: " لقد مشيت على الماء ، وركضت فى النار لا أستطيع أن أشعر بأى شىء بعد الآن .. أحتاج دماءكم" تسارعت خطواتنا نحو النافذة، إذ بدا أن القفز هو الحل النهائى، إن لم نكن نرغب فى التحول إلى حساء طماطم بالطبع. ولا أدرى بشأنك، ولكنى لم أكن فى مزاج رائق للتحول إلى إكسير شباب  لساحرة من القرن التاسع عشر. نقفز ثلاثتنا.. ثم يظلم العالم من حولنا.. ظلام تام.. ثم يقول أحدهم: "فليكن هناك ضوء".. أنا الآن فى دار الأوبرا.. أرتدى فستانًا أرجوانيًا داكنًا من القطيفة.. تعزف الجوقة مقطوعة لفرانز ليست.. يرتدى الجميع حُلل سهرة وفسات...

امم

رأيت فى الحلم الليلة الماضية أننى تلقيت اتصالًا منك.. ظهر اسمك على شاشة هاتفى، مع الرقم الذى رددته مرارًا حتى انحفر فى ذاكرتى طويلة المدى..بقيت أحدق فى الشاشة والاسم عليها لما يقرب من الدقيقة..هل هذا أنت حقًا؟..ثم انقطع الرنين..  كدت أشعر بخيبة الأمل، قبل أن يبدأ الهاتف فى الرنين من جديد، وهذه المرة لم أكذب خبرًا، وضعت اصبعى على علامة الهاتف الخضراء على الشاشة ورسمت سهمًا إلى الأعلى عدة مرات..حتى استجاب الهاتف لأوامرى وانفتح الاتصال.. بدا صوتى غريبًا متحشرجًا كصوت شخص آخر وأنا أقول: هاى قلت أنت فى شىء من البرود: لقد اتصلتِ بى منذ قليل، هل كنت تريدين شيئًا؟ أوه ولكنى لم ألمس الهاتف إلا الآن..لابد أن هذا كان اتصالًا غير مقصود..ضغطة زر طائشة بسبب جيوب البنطال أو شىء كهذا.. قلت: لا لم أتصل، لابد أنه خطأ ما فقلت أنت: حسنًا ثم انقطع الخط من ناحيتك قبل أن أضيف كلمة أخرى ..ثم لم أسمع صوتك..مرةً أخرى